السيد حسن القبانچي

46

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع )

فقيمة الجميل في زعمهم منوطة بالمادة ، ترتفع وتنخفض عندهم بارتفاع الأعداد وانخفاضها ، وذلك من الخطأ بمكان عظيم : ذلك بأن العطايا والهدايا والصلات والمساعي ، إنما هي علامات ظاهرة تدل على المعروف قلت أو كثرت ، وليست هي المعروف بذاته ، لأن المعروف لا يحس بالنظر ، ولا يمس باليد ، ولا يدخل في الكيس ، وإنما هو ما يدخل في القلب ، ولا يقدر قدره إلا ضمير الإنسان ، والفرق عظيم بين السعي الذي تسعاه لصاحبك وبين الحاجة التي تسعى له فيها ، فليس الذهب والفضة وما إليهما هما المعروف في الحقيقة ، ولكن المعروف في باب الأخلاق هو نية الفاعل للخير عند فعله وعقد العزيمة على تحصيله ، وهذا هو الذي يجب تقديره في النفس وإسداء الشكر عليه ، دون نظر إلى ما يترتب عليه من غنم مادي ، ولذلك لا يقال في القليل إنه قليل ولا في الكثير إنه كثير ، وإن كان الناس لا يأخذون إلا بالظواهر ، ولا يلتفتون إلا إلى مقدار ما يعطى وما يؤخذ ، جاهلين قيمة المعروف في ذاته ، من أجل ذلك كان المعروف هو الفعل الذي يصدر من تلقاء النفس لمجرد الرغبة في الخير ويستمد مسديه لذته من اللذة التي يشعر بها المسدى إليه ، فالنية هي التي تقوّم الأشياء وتقدرها قدرها ، وهذا مصداق قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إنما الأعمال بالنيات » فرب صغير من الإحسان يكون كبيرا بصفاء النية فيه ، ورب صلة عظيمة يحط من قدرها كدر النية فيها . على هذا كان خير وصف الكريم أنه هو الذي ينسى ما هو فيه من الاحتياج عند رؤية المحتاج ، وهو الذي يكون مغرما بالإعطاء في كل وقت من الأوقات ، وهو الذي يرى نفسه كأنه الآخذ ، والآخذ منه كأنه المعطي له كما قال الشاعر : تراه إذا ما جئته متهللا * كأنك تعطيه الذي أنت سائله وهو الذي إذا رددت إليه معروفك نسي أن له عندك معروفا ، وعده يدا لك عليه ، وهو الذي لا ينتظر أن يأتيه صاحب الحاجة بل يسعى في البحث عنه ، ومن كان على خلاف ذلك فهو تاجر مرب تأخذ منه المعروف أخذك الدين من الغريم . المعروف ضربان : ضرب عام يقتضي الجهر به والإعلان له . وضرب خاص لا ينبغي له غير الإخفاء والكتمان : فمن الضرب الأول ما يكون المجد في إعلانه والشرف : مثل صدقات الفرائض